جريدة رواد الغد الثقافيه رئيسا مجلس الادارة الاستاذه نداء الرؤح الاستاذ علاء العجمي

الخميس، 22 سبتمبر 2016

قرطاج (2). المؤرخون بقلم حسام أبو سعدة.

قرطاج (2).
المؤرخون.
رغم الحبكة الدرامية و العاطفة الجياشة فى الأسطورة، إلا أن العلماء لا ينساقون وراء الخيال. يبحثون فى كل كلمة، يفحصون كل معلومة و يقارنون المعلومات من أجل الوصول إلى الحقيقة.
لاحظ المؤرخون المحدثون أن الأقدمون يؤرخون لنشأة المدن بالأساطير المحكمة التى تلهب الخيال و تثير الحماس. فى كل الأساطير يحدث خلاف بين أفراد الأسرة الملكية الحاكمة فى مدينة قديمة، يؤدى ذلك إلى هجرة الأمير الغاضب المظلوم، و من المعتاد أن يمر الأمير بأحد المعابد للحصول على مباركة الآلهة. كما أن قصة الزواج بثمانين فتاة قبرصية مذكورة بنفس التفاصيل فى نشأة "روما". إذن ينسجون أسطورة واحدة لنشأة أية مدينة. كما أن هذه الأسطورة مأخوذة من كتابات الإغريق، و هم يعادون قرطاج بسبب الصراع على التجارة. ينعتوهم دائماً بالمكر و الغدر. ربما تكون خدعة جلد الثور للتدليل على مكر و خبث الفينيقين. المؤرخون الجدد لا يقنعون بالأسطورة و بدأوا فى البحث و التنقيب. و لكن...
لكن الصعوبات و المشاكل كثيرة. من التاريخ الرومانى نعلم أن الرومان هزموا "قرطاج" عام 146 ق.م. بلغ بهم الحقد و الكراهية لدرجة أن دكوا المدينة و أحرقوها تماماً. لم يعُد لها وجود. بعد مائة عام، تقريباً، إكتشف "أوكتافيوس" أهمية الموقع فأرسل 3 ألاف رومانى لإقامة مدينة جديدة. هؤلاء ردموا "قرطاج" تماماً حتى أنهم بدلوا شكل المكان من هضبة ناتئة إلى هضبة منبسطة مساحتها 4 هكتار، أدى ذلك إلى تكدس ما لا يقل عن مائة ألف متر مكعب من الرمال فوق "قرطاج". ثم تعاقبت الحضارات: الويندال، البيزنطية، ثم العرب ثم المدينة الجديدة الموجودة الآن. بعض آثار "قرطاج" توجد تحت 16 طبقة من طبقات الأرض. و يجب فحص كل أثر نعثر عليه بدقة بالغة لمعرفة إلى أى عصر ينتمى. الحضارات متعاقبة و متشابهة. و فى النهاية نكتشف أن الآثار ما هى إلا شواهد صامتة لا تخبرنا عن رواية أخرى لمقارنتها بالأسطورة. جدير بالذكر هنا أننا لم نعثر على إسم "إليسا" و لا زوجها "أكرباس" و لا أخيها الملك "بجماليون" على فى أى أثر أو مخطوطة. لكن هذا لا يعنى أن الأسطورة بعيدة تماماً عن الحقيقة.
إذا إتجهنا إلى تاريخ فينيقيا فى القرن التاسع قبل الميلاد سنجد معلومات هامة.
بعد وفاة "سليمان" عليه السلام إنقسمت مملكته إلى قسمين كبيرين: "يهودا" و "إسرائيل". الصرع بينهما عنيفاً. ربما تكون خلافات طائفية. بالإضافة إلى حروب الممالك الآرمية ضد مملكة إسرائيل. أدى هذا إلى تقلص التجارة. ثم هجمات الآشوريين قضت على البقية المتبقية من التجارة. لذلك بحثوا عن أسواق جديدة فى الغرب و تصارعوا مع الإغريق الذين كانوا يسيطرون على البحر المتوسط. فى نفس هذه الفترة عثر الفينيقيون على مناجم كثيرة فى شبه جزيرة "أيبربا". كيف يتركون هذه الكنوز و هم يعشقون المال و التجارة؟ لذلك إضطروا إلى إقامة مستعمرات كثيرة لتأمين تجارتهم. "قرطاج" هى أهم مستعمرة لقربها من شبه جزيرة "أيبريا" و الأسواق و لأنها تطل على البحر الذى يتقنون فن التعامل معه.
* من كتلبى "قرطاج" ــ دار مشارق.
* موعدنا الخميس القادم، إن شاء الله.
حسام أبو سعدة.
hossamaboseda@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.