جريدة رواد الغد الثقافيه رئيسا مجلس الادارة الاستاذه نداء الرؤح الاستاذ علاء العجمي

الخميس، 12 مايو 2016

القرصان ..الفصل الثامن بقلم حسام ابو سعده

(8)
جلست "لورا" وحيدة على الشاطئ بجوار قبر أبيها تتأمل الأمواج المتعاقبة على الرمال برفق ثم تنسحب فى هدوء.. بالرغم من هذه الوداعة و المياه الشفافة إلا إنه قتل والدها، و بعد أن قتله نهشه إلى أن إختفت ملامحه تماماً. لم يستطع أحد التعرف عليه إلا من خلال السوار الفضى الذى كان يحيط بمعصم يده اليمنى.
بعد أن تمت عملية الدفن بالأمس إنصرف كل منهم إلى حال سبيله فى صمت. شُغل كل منهم بأفكاره و أحزانه و نسوا الصغيرة تماماً كأن ليس لها وجود بينهم.. الشمس تميل نحو المغيب لكنها لم تتناول إفطارها حتى الآن، أحشاؤها تتلوى جوعاً دون أن تشعر بها أمها أو جدها. إنها لم تتعود هذا الإهمال أبداً من قبل.. كانت الطفلة الوحيدة المدللة فى الأسرة كلها، كما أنها كانت مدللة فى المدرسة و النادى و فى أى مكان نظراً لمكانة جدها الإجتماعية الرفيعة و مكانة أبيها الضابط الذى يخولون له المهام الدقيقة الصعبة لثقافته الواسعة...
شعرت بالمرارة فى حلقها عندما تذكرت "هوجنو" الذى كان طباخاً فى قصر جدها. يعاملها بمنتهى الرفق و الحنان، الإبتسامة لا تفارق شفتيه و هو يناديها بالأميرة الصغيرة.. يصنع لها أشهى الوجبات، يُبدع و يُشكل فى أطباقها المفضلة حتى تصبح وفقاً لذوقها الخاص، ثم يطعمها بيده و هى تتابع أفلام الكارتون ضاحكة من كل قلبها.. أحبته، أصبحت تُكن له إحتراماً كثيراً، و منذ شهرين لاحظ صديق جدها "دامون" ذلك فعاتبها برفق قائلاً إن "هوجنو" ليس إلا خادماً فى هذا القصر. عندما همت بالدفاع عنه قال "دامون" محذراً: إنه أصفر!...
تعجبت الصغيرة من هذا التحذير. "هوجنو" لم يكن أصفراً، بل أبيض البشرة، ضئيل الحجم حتى أنه يبدو قزماً بجوار جدها، دقيق الملامح، له عينان ضيقتان سوداوان و شعر أسود غزير ناعم كخيوط الحرير.. إستفسرت من أبيها الذى يمضى وقتاً طويلاً فى المكتبة فقال لها:
ـ السيد "دامون" يقصد أنه لا يعتبر أبداً من أفراد الأسرة.
دخل جدها الذى كان يسمع حديثهما فأكمل قائلاً بفخر ليغرس فى نفس الصغيرة الإعتداد بالنفس:
ـ إننا أصحاب الدم الأزرق الخالص بينما "هوجنو" ينتمى إلى العالم الأصفر.
هداها عقلها الصغير أنهم ربما يقصدون أن دم "هوجنو" أصفر مخالف لدمائهم. لكنها إكتشفت بعد ذلك عندما جرحت إبنة عمها و هى تلعب فى المدرسة كان دمها أحمراً، و عندما جرح "هوجنو" بعد أسبوعين أثناء عمله فى المطبخ كان دمه أيضاً أحمر اللون.. حارت الصغيرة فى موضوع تفسير الألوان لكنها لم تستطع أن تفهم شيئاً...
رأت ظلالاً تتحرك بجوارها، إلتفتت لترى "كرم" قادماً بطوله الفارع، أشاحت بوجهها تتأمل البحر فى صمت. عندما وضع يده على كتفها مواسياً إنفجرت الصغيرة فى بكاء عنيف.. مسح شعرها برفق بينما كانت كل عضلات وجهه ترتجف. بعد أن إستعادت هدوئها إصطحبها معه إلى رقعة من الأرض منبسطة بين الجبال، ثم أشار عليها مبتسماً بزراعة هذه الأرض بالورود التى تفضلها..
مسحت دموعها و هى تتجول معه فى أرجاء الجزيرة بحثاً عن عُقل النباتات المزهرة الملونة، بعد أن تمت عملية الغرس فى المكان المناسب عاد بها إلى الكهف حيث كانت "ليزا" تجلس شاردة تتأمل سوار زوجها بعد أن أصبح فى معصم يدها. لم تشعر بهما، فهمست الصغيرة فى أذن "كرم" متسائلة: هل أمى أيضاً ستموت؟.. إلتفتت "ليزا" ترقبهما بنظرات باردة غير مبالية بشئ.. ربت "كرم" على كتف الصغيرة برفق، ثم همس فى أذن "ليزا": لا تتركى الصغيرة وحدها على الشاطئ..
بيد أنه فى اليوم التالى، بعد الإنتهاء من تنظيف الحظيرة تسللت "لورا" بين الأشجار هاربة إلى قبر أبيها على شاطئ البحر. لقد ضاقت بهم جميعاً، لا تجد راحتها إلا فى هذا المكان. لقد أصبحت أكثر إقتراباً إلى أبيها من ذى قبل..
جلست بجوار القبر تلوم نفسها و تعاتبها لأنها تشككت ذات يوم فى حبه لها.. كان ذلك منذ بضعة أشهر، عندما علمت بأنه يعد نفسه للسفر. طلبت منه أن يأخذها معه. لكنه رفض لعدم وجود مدارس مناسبة هناك. ثم أكمل مؤكداً: إننى ذاهب إلى القارة السوداء..
إنقبض قلبها من هذا الإسم الكئيب. تخيلت مدينة بأكملها تعيش فى ظلام دامس، الأشباح ترتع فى نشاط محموم لتثير الذعر بين الناس بينما الشرر يتطاير من عيونهم. لكنها بالرغم من ذلك كانت تتمنى البقاء إلى جوار أبيها فى أى مكان مهما كان.. عندما ذهبت لوداعه فى المطار كان صديق جدها "دامون" هناك، إحتضن أبيها بحرارة ثم قال مشجعاً بينما الابتسامة الوادعة لا تفارق شفتيه:
ـ لقد أنفقت الكثير حتى أحصل على مناجم الماس. يجب أن تفعل كل ما فى إستطاعتك لحمايتها من هؤلاء البربر.
شعرت الصغيرة بإقتراب "كرم" منها. إصطحبها معه صاعداً الجبل و هو يعاتبها برفق لإهمال النباتات التى غرستها بيدها بالأمس. بعد سقى النباتات أخذها معه داخل الكوخ ليمنحها ثوباً مصنوعاً من الصوف و هو يقول:
ـ فى المساء تنخفض درجة الحرارة.
تلقفته الصغيرة سعيدة و هى تتأمل اللوحة المرسومة على الجدران الخشبية ثم سألت:
ـ هل يوجد فى بلادكم جمال كثيرة؟
ـ نعم.
فكرت قليلاً ثم سألت مستنكرة:
ـ لماذا لا يوجد لديكم شوارع و سيارات و مدن مثلنا؟
إنفجر "كرم" ضاحكاً من سذاجتها حتى إغرورقت عيناه بالدموع:
ـ لأنه يوجد لدينا ما هو أهم و أخطر من كل ذلك. لدينا كل الثروات و الكنوز.
سألت الصغيرة ضاحكة دون أن تفهم شيئاً كأنما إنتقلت إليها عدوى الضحك:
ـ إذا كان لديكم كل الثروات فلماذا تعيشون فى الظلام وسط القاذورات و تهاجرون إلينا.
ضم وجهها بيديه و هو يتأمل صفاء عيونها و وداعتها، بدت له كأنها ملاك رقيق هبط إليه من السماء. ثم قال مشفقاً:
ـ لا تشغلى بالك بكل ذلك. فقط إهتمى بحديقتك حتى تنبت لك أزهاراً زاهية.
عادت الصغيرة إلى كهفها قبل غروب الشمس. فى المساء حملت أمها الطعام صاعدة الجبل مثل كل يوم. رماها "كرم" بنظراته النارية معاتباً لإهمالها الصغيرة. فقالت:
ـ لم أعرف أنها ذهبت للبحر إلا بعد أن هبطت من عندك.
نهرها بعنف حتى سقطت على الأرض، ثم قال فى تحد:
ـ أنت لا تعرفين ماذا يفعل البحر مع الإنسان الحزين.
إعتدلت جالسة على صخرة و هى تتساءل فى تحد يشوبه الخوف:
ـ ماذا يفعل؟
قال بينما كل عضلات وجهه متقلصة:
ـ يسحرها بغموضه مثلما فعل مع الحاجة "وفاء".
ـ من تكون الحاجة "وفاء"؟
إلتفت إلى البحر ثم قال:
ـ قابلتها مصادفة بجوار الفنار. كان هذا هو المكان الذى أفضله كثيراً أنا و صديقى "باسم". أنا أحلم بأن أجوب هذا العالم الفسيح المترامى بينما "باسم" يفكر فيما يعنيه هذا الفنار بالنسبة للبحار، ثم ينهمك فى الرسم و هو يحدثنى فى تحليلات كثيرة فيما يبعثه هذا المبنى العتيق فى النفوس الهائمة الشاردة. كانت الحاجة "وفاء" تشاركنا عشق هذا المكان، لا أحد يشعر بها و هى لا تشعر بما يدور حولها.. إمرأة عجوز، التجاعيد تفترس وجهها ثم تلتف حول رقبتها، تجلس فى هدؤ و صمت تتأمل البحر بينما خصلات شعرها الأشيب الخفيف تتطاير مع الهواء.. عندما عاونتها أول مرة فى عبور الطريق شعرت بمدى ضعفها من خلال إرتجافات يدها المتجعدة. ربتت على كتفى و هى تشكرنى فلمحت فى عينيها صفاءً رهيبا بالرغم من كل التجاعيد. منذ هذا اليوم أصبحت هناك علاقة غريبة بيننا. بالرغم من أنها فى مثل سن أمى إلا أننى لم أشعر نحوها أبداً بهذا الشعور. حدثتنى عن زوجها القبطان الذى خرج إلى البحر منذ ثلاثين عاماً، إنشقت به السفينة نصفين فى عرض المحيط و لم تستطع فرق الإنقاذ الوصول إليهم.. رأيتها و هى تلقى بالورود فى البحر بمناسبة ذكرى يوم وفاته. إنها تؤكد شعورها به إلى جوارها فى كل لحظة. عندما توطدت العلاقة بيننا إصطحبتنى إلى منزلها فى وسط المدينة. رأيت بجوار الباب زوجين من الأحذية الرجالى، قالت إنها أحذية زوجها القبطان، هو الذى تركهم فى هذا المكان قبل سفره الأخير، لم يطاوعها قلبها على تبديل أى شئ فى المنزل منذ ثلاثين عاماً. تلمع أحذيته من حين لآخر ثم تعيدها إلى المكان نفسه.
إبتسمت "ليزا" و هى تقول فى أسى:
ـ إنها فعلاً الحاجة "وفاء".
ضحك فى هستيرية و عظمة ثم قال:
ـ ليس هذا إسمها الحقيقى. أنا الذى أطلقت عليها هذا الإسم و فرحت هى به. هل تصدقين أننى لا أعرف إسمها الحقيقى حتى الآن؟
ضحكت "ليزا" ساخرة ثم حملت أوانى الطعام الفارغة هابطة إلى الكهف حيث رأت "تونى" مستلقياً على فراء الماعز، كان ينام على جانبه الأيسر، يضم ساقيه إلى صدره كأنه يحاول العودة جنيناً فى بطن أمه...
* القرصان 9 ، يوم الخميس القادم، إن شاء الله.
حسام أبو سعدة.
hossamaboseda@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.